دور الكنيسة في الصراع على كرسي الحكم في البرازيل

الجمعة, 23 أيلول/سبتمبر 2022 14:17

 بقلم الصادق العثماني، باحث في الفكر الإسلامي وقضايا الأقليات المسلمة بأمريكا اللاتينية 

 

تعيش البرازيل هذه الأيام على وقع الانتخابات الرئاسية التي ستجرى يوم 2 أكتوبر المقبل حيث يحتدم الصراع بين الرئيس الحالي جايير بولسونارو، الذى يمثل اليمين المحافظ، والرئيس السابق زعيم حزب العمال، لويز  ايناسيو لولا دا سيلفا، الذى يعتبر المرشح الأوفر حظا للوصول الى منصب الرئاسة حسب الإحصائيات الأخيرة التي أجريت من قبل معهد "داتا فوليا" البرازيلي، فقد حصل لولا دا سيلفا على نسبة 45 % من نوايا التصويت مقارنة ب 36% لفائدة الرئيس الحالي بولسونارو.

 

وحسب بعض الخبراء فإن هذا الفرق بين لولا وبولسونارو يمكن أن يتغير بين عشية وضحاها لصالح بولسونارو. فقد بدأ هذا الأخير في التغيير من استراتيجية خطابه الانتخابي متجها شطر الخطاب الديني العاطفي المسيحي، مع العلم أن نجاحه في الانتخابات الرئاسية السابقة كان راجع إلى أصوات الكنيسة الإنجيلية، غير أن علاقته قد تصدعت مع الكنيسة الانجيلية مما ترتب عنه إعلان عن عدم مساندتها له في الانتخابات المقبلة.

 

الشخصيات الفاعلة في الحقل الديني الإنجيلي في البرازيل

 

لا بد في سياق الانتخابات، من التعريف بشخصين مهمين وفاعلين أساسيين في الحقل الديني الإنجيلي بالبرازيل وإليهما تعود الكلمة في تحديد من سيكون الرئيس الجديد للبرازيل.

 

  • إيدير ماسيدو Edir Macedo‏

من مواليد سنة 1945 أسقف إنجيلي برازيلي وكاتب ورجل أعمال وملياردير، وهو أيضًا مؤسس وأسقف الكنيسة العالمية لملكوت الله الخمسينية (كنيسة إنجيلية) وهو المالك ورئيس قناة ريكورد تي في أكبر شبكة تلفزيونية في البرازيل منذ عام 1989، التي أسسها بعد أن اشترى الشبكة، من بين أغنى الزعماء الدينيين في العالم.

 

نشأ كاثوليكيا واعتنق المسيحية الإنجيلية في أوائل السبعينيات. وفي عام 1977 أسس طائفته الخاصة في ريو دي جانيرو، والتي تتبع "لاهوت الازدهار"، مؤكدًا أن الإيمان والالتزام بالكنيسة يكافآن بالثروة. ينبع الجزء الأكبر من ثروة ماسيدو من ملكيته لشركة "ريدي ريكورد"، ثاني أكبر محطة إذاعية في البرازيل، والتي حصل عليها في عام 1990 من الفنان سيلفيو سانتوس. من غير الواضح كيف حصل على التمويل اللازم لشراء الشركة، فقد قامت الوزارة العامة بالبرازيل بالتحقيق في السؤال لأكثر من عشر سنوات، بينما زعمت بعض التقارير أنه استخدم أموال الكنيسة.

 

في يوليو من عام 2013، أصبح أيضًا مصرفيًا بعد استحواذه على حصة 49 % في بنك بانكو رينر المملوك للقطاع الخاص، والذي يحتل مكانة بين أعلى معدلات الفائدة في البرازيل. أثارت الصفقة الجدل جزئياً لأن البنك المركزي البرازيلي تعامل مع ماسيدو كمستثمر أجنبي منذ أن كان مقيمًا في الولايات المتحدة. تمتد إمبراطوريته الإعلامية أيضًا إلى شركة W67CI التابعة لشركة تيليموندو في أتلانتا.

 

في عام 2014، افتتح ماسيدو نسخة طبق الأصل ضخمة من معبد سليمان في ساو باولو، والتي تستوعب 10000 من أتباع الكنيسة الإنجيلية، وهي ضعف كنيسة المسيح المخلص الشهير، الواقعة في ريو دي جانيرو. كلف بناء الكنيسة الضخمة مبلغ 200 مليون دولار، وتعمل بمثابة المقر العالمي للكنيسة الانجيلية. كان رجل الدين المسيحي "ماسيدو" من الداعمين لبولسونارو في انتخابات 2018 أما في الانتخابات القادمة فلن يدعمه للأسباب التي سياتي ذكرها فيما بعد.

 

  • سيلاس ملفافيةSilas Malafaia 

من مواليد 1958 بمدينة ريو دي جانيرو، البرازيل، وهو رجل دين وقسيس برازيلي ومؤلف وناشط تلفزيوني، وحاصل أيضًا على شهادة في علم النفس. وهو زعيم جمعية الكنيسة الخمسينية لنصر الله في المسيح، وهي فرع من حركة جمعيات الله الأوسع للكنائس الخمسينية في البرازيل. وهو أيضًا الرئيس التنفيذي لشركة النشر Central Gospel Music [pt]، ونائب رئيس المجلس الدولي للوزراء الإنجيليين في البرازي (CIMEB)، والذي يتكون من حوالي 8500 وزير وزعيم من جميع الطوائف الإنجيلية البرازيلية.

 

معروف بعمله السياسي ومعارضته الشديدة للترويج للمثلية الجنسية في المجتمع ومعارض كذلك لقانون الإجهاض..في انتخابات عام 2012 ، كان القائد السياسي الإنجيلي للمرشح خوسيه سيرا لمجلس مدينة ساو باولو وساعد في انتخاب 24 رئيس بلدية و 16 عضوًا في مجلس المدينة في سبع ولايات. في انتخابات عام 2014، قام Malafaia بحملة انتخابية لصالح أئسيو نيفسAécio Neves   من أجل رئاسة البرازيل.  في انتخابات 2018، أيد Malafaia الفائز النهائي جايير بولسونارو.

 

وفقًا لإصدار مجلة فوربس لعام 2013، يقدر إجمالي ثروته الصافية بـ 150 مليون دولار أمريكي. يُنظر إلى Malafia على أنه محافظ ومتطرف ديني يزرع الكراهية بين الشعب البرازيلي الواحد، وهذا طبعا ينفيه "مالافيا " في كثير من حواراته. 

 

تراجع الكنيسة الإنجيلية عن دعم بوسونارو

 

أدت عدة أسباب بالكنيسة الإنجيلية إلى انفصالها عن بوسونارو وعدم مساندتها له في الانتخابات المقبلة ومن أبرزها:

 

أولا: كان بولسونارو قد وعد الكنيسة الإنجيلية في مرحلته الانتخابية سنة 2018 في حالة نجاحه في الانتخابات لرئاسة الجمهورية البرازيلية أنه سينقل سفارة البرازيل من تل أبيب إلى القدس مثل ما فعل ترامب، لكن هذا الوعد الذي قطعه بولسونارو على نفسه لم يتم تحقيقه نظرا للضغوط الذي تعرض لها من قبل الجالية العربية والإسلامية وكذلك الشركات البرازيلية الكبرى التي تصدر منتجاتها الغذائية إلى دول الخليج والعالم الإسلامي مما دفعه إلى التراجع عن هذا الوعد الذي أعطاه للكنيسة الإنجيلية في البرازيل 

 

ثانيا: رجل الدين الشهير والمالك لقناة تلفزيون ريكورد والذي يشرف على الآلاف من الكنائس الإنجيلية في البرازيل وبعض الدول الإفريقية حصلت له بعض المشاكل مع الحكومة الأنغولية فيما يتعلق ببعض كنائسه هناك، مما دفع بالقضاء الأنغولي إلى إصدار الحكم ضده وسحب منه جميع الكنائس التابعة له وتقديمها للمسيحيين الانجيليين هناك يتصرفون فيها كيفما شاءوا، وقد حاول صديقه الرئيس البرازيلي التدخل لدى الدولة الأنغولية من أجل استرداد كنائسه لكن بولسونارو فشل في الأمر ولم يستطع.

 

ثالثا: عندما انتشر فيروس كورونا في البرازيل وتم إغلاق الكنائس والمعابد والمساجد في البرازيل، اجتمعت الكنائس الإنجيلية وقرروا عدم امتثالهم لأمر الإغلاق، والتجأوا إلى صديقهم الرئيس ليقف معهم حتى تظل كنائسهم مفتوحة، فحاول بكل سلطاته لكن القرارات كانت حاسمة من المجلس الأعلى للقضاء في إغلاق جميع الأماكن التي يوجد فيها تجمعات بشرية منها دور العبادة بدون استثناء ففشل الرئيس البرازيلي بولسونارو في هذا الأمر مع الكنائس الانجيلية الذي وعدهم بأنه سيساندهم في جميع مصالحهم وشؤون كنائسهم.

 

رابعا: كان قد وعد اللوبي الإنجيلي في البرازيل بأنه سيحارب الانحلال الخلقي من دعارة وفساد وإجهاض وشذوذ جنسي  وغير ذلك من الانحلال الخلقي التي تعتبره الكنيسة الإنجيلية هي أمور تغضب الرب وينزل اللعنات على المجتمع ينبغي محاربتها وتنظيف المجتمع منها، وقد عجز بولسونارو في محاربة كل هذه الأمور؛ بل اعتبروه من بين المنغمسين فيها، ولهذه الأسباب إلى جانب عدم تحقيق وعوده الذي وعده بها في الانتخاب  الكنيسة الإنجيلية، قررت سحب الثقة منه وعدم إعطائه أصواتها في الانتخابات القادمة، لكن وحسب بعض المحللين والخبراء فإن بولسونارو غير من استراتيجية خطابه فجعله خطابا دينيا مسيحيا عاطفيا يحارب من خلاله الإلحاد والشذوذ الجنسي والاجهاض، كما يحث في حملته الانتخابية على الزواج الشرعي وتربية الشعب على الفضيلة والأخلاق الحسنة، ويعتبر أصحاب أحزاب اليسار منهم حزب لولا، مجموعة من الملحدين والمنحرفين يجب مسحهم من خريطة أمريكا اللاتينية، فهذا الصراع الخطير الذي احتد هذا الأسبوع بين اليساري لولا واليميني المحافظ بولسونارو، سيتم حسمه من قبل الكنيسة الإنجيلية في البرازيل، لأن مفتاح النجاح بيدها، ولهذا السبب قام بولسونارو بتغيير خطابه نحو بابها، لعله يظفر بالنجاح مرة ثانية ويتربع على كرسي الحكم في  القصر الجمهوري بمدينة برازيليا. 

 

 الصادق العثماني، باحث في الفكر الإسلامي وقضايا الأقليات المسلمة بأمريكا اللاتينية 

 

قراءة 109 مرات
قيم الموضوع
(0 أصوات)
موسومة تحت

البنود ذات الصلة (بواسطة علامة)