محمد بوبوش – باحث رئيسي بمرصد أمريكا اللاتينية
للانتصار أكثر من أب.. أما الهزيمة فيتيمة...هذا ما يصدق على الانتخابات الرئاسية التي جرت بالبرازيل. فقد حقق الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا فوزاً تاريخياً في الانتخابات الرئاسية التي جرت جولتها الثانية يوم الأحد 25 أكتوبر 2026، بعدما هزم منافسه اليميني فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو. وبهذا الانتصار، أصبح لولا أول رئيس برازيلي يُنتخب أربع مرات، في مسار سياسي يعكس قدرته على استعادة المبادرة الانتخابية رغم التراجع الذي سجله في الجولة الأولى.
شكّلت هذه الانتخابات سابقة في التاريخ السياسي البرازيلي، إذ لم يسبق لأي مرشح رئاسي تصدّر نتائج الجولة الأولى أن خسر في جولة الإعادة. فمنذ إقرار دستور عام 1988 واعتماد نظام الجولتين في الانتخابات الرئاسية، ظل متصدر الجولة الأولى يحسم السباق الانتخابي لصالحه في نهاية المطاف.
غير أن لولا دا سيلفا كسر هذه القاعدة، بعدما نجح في قلب تأخره بنحو 2.2 مليون صوت في الجولة الأولى إلى فوز في جولة الإعادة، خلال ثلاثة أسابيع فقط. كما لم يسبق لأي رئيس برازيلي أن تولّى الرئاسة لأربع ولايات. وبانتهاء ولايته الجديدة، سيبلغ مجموع فترات حكم لولا دا سيلفا 16 عامًا غير متتالية، ليصبح صاحب أطول مدة حكم بين الرؤساء الذين وصلوا إلى السلطة عبر انتخابات ديمقراطية في تاريخ البرازيل.
وبحسب النتائج النهائية التي أعلنتها المحكمة الانتخابية العليا، حصل لولا على 64.26 مليون صوت، بما يعادل 51.79% من الأصوات الصحيحة، مقابل 59.83 مليون صوت لمنافسه، أي 48.21%. ولا تكمن أهمية هذه النتيجة في حجم الفارق وحده، بل في قدرة الرئيس المنتمي إلى حزب العمال على قلب موازين المنافسة خلال الأسابيع الفاصلة بين جولتي التصويت.
وتكشف هذه العودة عن استمرار الاستقطاب السياسي والاجتماعي في البرازيل، كما تؤكد أن التيار اليميني، رغم حضوره القوي، لم يتمكن من تحويل تقدمه في الجولة الأولى إلى فوز نهائي.
عوامل استعادة المبادرة
يمكن تفسير انتصار لولا بتفاعل مجموعة من العوامل، في مقدمتها التعبئة الانتخابية المكثفة، وتوسيع الحضور الرقمي، واستقطاب فئات من الناخبين المترددين، فضلاً عن ارتفاع المشاركة في الجولة الثانية. فقد تراجعت نسبة الامتناع عن التصويت من 21.08% في الجولة الأولى إلى نحو 19.2% في جولة الإعادة، وهو ما وسّع قاعدة المشاركة في لحظة حاسمة من المنافسة.
كما أدت الجغرافيا الانتخابية دوراً مهماً؛ إذ حافظ لولا على قوته في الشمال الشرقي، وعزز حضوره في مراكز حضرية رئيسية. وبذلك استطاع تعويض تقدّم منافسه في عدد من المناطق، مستفيداً من حملة ركزت على تعبئة المؤيدين وتقديم مقترحات مرتبطة بمشكلات المعيشة والديون والأمن.
وتوضح هذه النتيجة أن الانتخابات الحديثة لا تُحسم بالبرامج الاقتصادية وحدها، بل تتأثر أيضاً بقدرة المرشحين على تنظيم قواعدهم الاجتماعية، وتوظيف المنصات الرقمية، وتحويل التأييد السياسي إلى مشاركة فعلية في صناديق الاقتراع.
انتصار انتخابي لا يعني هيمنة سياسية
على الرغم من رمزية الفوز، فإن الولاية المقبلة لن تكون سهلة. فالمعسكر المحافظ يحتفظ بنفوذ مهم داخل المؤسسة التشريعية وعلى مستوى حكومات الولايات، الأمر الذي سيجعل تمرير الإصلاحات رهيناً ببناء تحالفات تتجاوز القاعدة التقليدية لحزب العمال.
وسيواجه لولا اختباراً اقتصادياً واجتماعياً معقداً؛ إذ إن تراجع التضخم أو تحسن مؤشرات التشغيل لا يعني بالضرورة شعور الأسر بانخفاض تكاليف المعيشة. كما أن ارتفاع أعباء الديون وأسعار الفائدة والقيود المالية سيحد من هامش المناورة الحكومية، ويعيد إلى الواجهة السؤال المتعلق بكيفية تمويل البرامج الاجتماعية من دون الإضرار بالتوازنات المالية.
أما في مجال الأمن، فسيكون على الحكومة الاستجابة لمخاوف المواطنين بشأن الجريمة، في ظل ضغط يميني يدفع نحو تشديد السياسات العقابية. وسيختبر هذا الملف قدرة لولا على الجمع بين حماية الحقوق الاجتماعية والمدنية والاستجابة للمطالب الأمنية المتزايدة.
وتبرز هنا مفارقة أساسية: لقد حقق لولا انتصاراً انتخابياً تاريخياً، لكنه لم يحصل بالضرورة على تفويض سياسي مفتوح. فالفوز بالرئاسة يمنحه الشرعية الدستورية للحكم، بينما تظل القدرة على تنفيذ برنامجه مرتبطة بموازين القوى داخل المؤسسات.
البرازيل في مواجهة الانزياح نحو اليمين: إعادة تشكيل الخريطة السياسية في أمريكا الجنوبية
شهد المشهد السياسي في قارة أمريكا الجنوبية خلال فترة وجيزة لم تتجاوز ثلاثة أعوام تحولاً لافتاً، تمثّل في انزياح كاسح نحو اليمين السياسي، وهي الظاهرة التي برزت معها البرازيل بوصفها الاستثناء البنيوي الرئيس والحصن الأبرز ضد هذا المد الإقليمي.
وتتضح أبعاد هذا التحول الجوهري عند مقاطعة البيانات الزمنية للأنظمة الحاكمة في المنطقة؛ ففي حين شهد شهر ديسمبر من عام 2023 هيمنة لافتة لتيارات اليسار ويسار الوسط على مقاليد الحكم في سبع دول جنوب أمريكية - مقابل ثلاث دول فقط خضعت لإدارة اليمين أو يمين الوسط - فإن خريطة التوازنات الأيديولوجية قد شهدت انقلاباً شبه تام بحلول نهاية اكتوبر 2026. حيث ارتفع عدد الأنظمة ذات التوجه اليميني إلى سبع حكومات، بينما تراجع التمثيل اليساري إلى أربع دول، في وقت ظلت فيه دولة واحدة ضمن منطقة الضبابية والغموض السياسي.
وقد تبلور هذا التحول الإقليمي الحاد عبر انزياح كتل سياسية وجغرافية ثقيلة نحو اليمين، وفي مقدمتها الأرجنتين والشيلي وبوليفيا وكولومبيا والبيرو؛ وهو ما أدى في مجمله إلى إعادة هيكلة جذرية للمجال السياسي القاري وفرض ديناميات جيو-سياسية جديدة.
في المقابل، شكلت التجربة البرازيلية حالة قطع مع هذا السياق الإقليمي العام؛ إذ جاء حسم لولا دا سيلفا للاستحقاق الرئاسي لعام 2026 أمام منافسه فلافيو بولسونارو ليعزز تموضع القوة الاقتصادية والديموغرافية الأكبر في أمريكا الجنوبية ضمن معسكر اليسار، لتستقر جنباً إلى جنب مع تجارب كل من الأوروغواي وغويانا وسورينام.
إن هذا التباين البنيوي يسلط الضوء على حالة من الاستقطاب المركب داخل القارة؛ فبينما تتجه غالبية الفاعلين الإقليميين نحو تبني أطروحات اليمين السياسي، تجسد البرازيل اليوم الثقل الموازن الأكثر تأثيراً في مواجهة هذا المسار التحولي، مما يجعلها المحور الأساسي لإعادة رسم توازنات القوة في المنطقة.
البرازيل في مواجهة التحولات الجيوسياسية
تتجاوز دلالات الانتخابات حدود السياسة الداخلية، بالنظر إلى المكانة الاقتصادية والاستراتيجية للبرازيل في أمريكا اللاتينية. فاستمرار لولا في السلطة يرجح احتفاظ برازيليا بنهج يسعى إلى تنويع الشراكات الدولية، وتوسيع هامش الاستقلالية الاستراتيجية، مع الحفاظ على علاقات اقتصادية واسعة مع الصين والولايات المتحدة وشركاء آخرين.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية في ظل التنافس الأمريكي الصيني، وصعود حكومات يمينية في عدد من دول المنطقة. فالبرازيل، باعتبارها أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية وعضواً محورياً في مجموعة بريكس وتكتل ميركوسور، تمتلك أدوات اقتصادية ودبلوماسية تسمح لها بممارسة دور إقليمي يتجاوز حجمها الانتخابي الداخلي.
غير أن قدرة لولا على قيادة مشاريع التكامل الإقليمي قد تواجه قيوداً سياسية، في ظل اختلاف التوجهات الأيديولوجية للحكومات المجاورة. ولذلك قد يتجه إلى إعطاء الأولوية للمصالح التجارية والاستثمارية والتنسيق العملي، بدلاً من الرهان حصراً على التقارب السياسي بين الحكومات اليسارية.
العلاقة مع واشنطن: السيادة من دون مواجهة مفتوحة
ستكون إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة أحد أبرز اختبارات الولاية الجديدة. فقد عبّر لولا مراراً عن رفضه التعامل مع البرازيل باعتبارها مجالاً تابعاً لأي قوة دولية، لكنه أظهر في الوقت نفسه استعداداً للتفاوض وتجنب التصعيد غير الضروري.
ومن ثم، لا يُتوقع أن تقوم سياسته الخارجية على المواجهة الدائمة مع إدارة دونالد ترامب، بل على محاولة الموازنة بين الدفاع عن المصالح الوطنية، وتوسيع الشراكات الاقتصادية، والحفاظ على قنوات الحوار. وفي هذا السياق، تصبح العلاقات مع الصين، ودور البرازيل داخل بريكس، ومكانة الميركوسور، أدوات لتعزيز القدرة التفاوضية لبرازيليا.
ومع ذلك، فإن الاستقلالية الاستراتيجية لا تعني الانعزال؛ بل تتطلب تنويع الشراكات، وتقليل الاعتماد على طرف واحد، وتوظيف الثقل الاقتصادي في التفاوض بشأن التجارة والاستثمار والتكنولوجيا.
التحولات السياسية في أمريكا الجنوبية بين الاستقطاب الإيديولوجي والبراغماتية الدبلوماسية
تكشف المواقف المتباينة للقادة السياسيين في أمريكا الجنوبية من فوز لولا دا سيلفا عن استمرار التوتر بين الاستقطاب الإيديولوجي ومتطلبات العلاقات الدبلوماسية. فرغم صعود التيارات اليمينية والمحافظة في عدد من دول القارة، لا تزال الاعتبارات المرتبطة باحترام إرادة الناخبين والحفاظ على التعاون الثنائي تؤثر في مواقف بعض القادة تجاه الحكومات ذات التوجهات السياسية المختلفة.
ويبرز الموقف الكولومبي، وفق المعطيات الواردة في النص، أهمية الفصل بين الخلافات الإيديولوجية ومتطلبات التعاون بين الدول. في المقابل، يعكس غياب تهنئة علنية من الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، استمرار التباعد السياسي بين بعض القيادات اليمينية ولولا دا سيلفا.
وتطرح هذه التطورات سؤالًا حول مستقبل التكامل الإقليمي في أمريكا الجنوبية: هل ستتمكن دول القارة من الحفاظ على أطر التعاون الاقتصادي والسياسي رغم تعاقب الحكومات المتباينة أيديولوجيًا، أم أن الاستقطاب الداخلي سيؤدي إلى إضعاف التنسيق الإقليمي وإعادة تشكيل التحالفات وفق اعتبارات سياسية متغيرة؟
الخلاصة: هل ينحسر المد اليميني؟
يؤكد فوز لولا أن صعود اليمين في أمريكا اللاتينية ليس مساراً حتمياً أو خطاً تصاعدياً بلا انقطاع. لكنه لا يثبت، في المقابل، أن المنطقة تتجه بالضرورة نحو عودة شاملة لليسار. فالمشهد الإقليمي يتسم بتقلبات انتخابية تعكس الاستياء من الأوضاع الاقتصادية، ومخاوف الأمن، وتراجع الثقة في المؤسسات، فضلاً عن قدرة الأحزاب على التعبئة.
وتتمثل المهمة المركزية أمام لولا في تحويل الشرعية الانتخابية إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين، مع بناء توافقات تشريعية وإدارة توازنات خارجية معقدة. فإذا نجح في الجمع بين العدالة الاجتماعية والانضباط الاقتصادي والفعالية الحكومية، فقد يعزز موقعه وموقع التيار التقدمي إقليمياً. أما إذا تعثرت حكومته في مواجهة تكاليف المعيشة أو الأمن أو الانسداد التشريعي، فقد يستعيد اليمين زمام المبادرة.
وهكذا، لا يمثل انتصار لولا نهاية الاستقطاب البرازيلي، بل بداية مرحلة جديدة من الصراع على نموذج الحكم، وحدود الدولة الاجتماعية، وموقع البرازيل في نظام دولي يتجه نحو مزيد من التنافس وتعدد مراكز القوة.