فواشنطن، التي عادت إلى نهج الضغط الأقصى بعد تغيّر المشهد السياسي في البيت الأبيض، تتعامل مع كاراكاس بوصفها تحدياً مباشراً لمصالحها في نصف الكرة الغربي، فيما يرى النظام الفنزويلي أن التحركات الأمريكية تستهدف تقويض بنيته السياسية وإعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية.
وفي ظل تحركات عسكرية في البحر الكاريبي، واستقطاب دولي حاد، يطرح المراقبون أسئلة حاسمة حول مستقبل هذا الصراع، وما إذا كان سيتطور إلى مواجهة محدودة أم يظل محكوماً بإيقاع «التصعيد المضبوط».
ويشير خبراء إلى أن التصعيد بلغ ذروته مع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، إذ شهدت منطقة البحر الكاريبي عمليات عسكرية أمريكية مكثفة تحت ذريعة مكافحة المخدرات، تضمنت تدمير عشرات الزوارق التي تدعي واشنطن إنها مخصصة للاتجار غير المشروع انطلاقاً من السواحل الفنزويلية، إضافة إلى نشر حاملة الطائرات «جيرالد فورد» وطائرات استخباراتية واستطلاعية، وفرض قيود على تحليق الطائرات فوق المجال الجوي الفنزويلي.
ويتوقع خبراء أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار «التصعيد المضبوط»، عبر عمليات بحرية محدودة، وضربات دقيقة ضد أهداف تزعم واشنطن أنها اتجار غير مشروع، وتحركات ردعية في المجال الجوي دون الانزلاق إلى حرب واسعة.
المواجهة
ويضيف أن واشنطن تدرك أن أي تدخل مشابه سيعيد إلى الأذهان تجارب مكلفة في العراق وأفغانستان، وهو ما لا يحظى بدعم داخلي، لاسيما في ظل الانقسامات السياسية واقتراب الانتخابات النصفية، بالإضافة إلى النتائج المخيبة التي مني بها فريق ترامب في نيويورك وبعض الولايات.
البيئة الجيوسياسية
ويشير إلى أن الصين — كونها أحد أكبر الدائنين لفنزويلا — ترى في استقرار النظام ضمانة لاستمرار مصالحها النفطية، بينما تعزز روسيا وجودها الاستشاري والعسكري ضمن محاولاتها كسر النفوذ الأمريكي في المنطقة، ما يجعل أي تصعيد أمريكي جزءاً من لعبة توازنات دولية أوسع.
«لعبة الدجاج»
ويرى بوبوش أن المرحلة الحالية تمثل ذروة هذا التوتر، بعدما تحولت المواجهة إلى ما يشبه التطبيق العملي لـ«لعبة الدجاج» في الأدبيات الاستراتيجية؛ حيث يقترب كل طرف من حافة الصدام بهدف اختبار مدى استعداد الآخر للتراجع دون الانزلاق إلى الحرب.
ويشير إلى أن التدخل الأمريكي في الأزمة أعاد إحياء مبدأ مونرو (1823)، الذي منح واشنطن تاريخياً مبرراً للتدخل في شؤون دول أمريكا اللاتينية بوصفها جزءاً من أمنها القومي.
ويضيف أن الولايات المتحدة كرّست نفوذها في المنطقة على مدى قرنين، مستندة إلى قوتها العسكرية واقتصادها الصاعد، بما يضمن تأمين المواد الخام واحتكار الأسواق اللاتينية بعيداً عن المنافسين الدوليين.
مناورة
ويضيف أن تصريحات ترامب حول إغلاق المجال الجوي الفنزويلي وتلميحاته بعمليات برية تعيد إلى الأذهان أجواء أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.
ويقول بوبوش إن دوافع التصعيد الأمريكية ترتبط أيضاً بالداخل الأمريكي، فترامب يسعى إلى إظهار نهج «السلام عبر القوة»، كما أن وصف مادورو بأنه يقود «كارتيلاً إرهابياً» يمنح واشنطن غطاءً قانونياً لأي تحرك عسكري تحت شعار مكافحة الجريمة المنظمة.