باشليه: التغييرات الأساسية غير السهلة!

الإثنين, 30 كانون1/ديسمبر 2013 08:53

ثم أضافت أمام الآلاف من أنصارها المبتهجين في سانتياغو إن «الأقلية لن تسكت أبداً الأغلبية». وكانت باشليه قد هزمت منافستها مرشحة اليمين المحافظ، إيفيلين ماتي، وفازت عليها بنسبة 62 في المئة من الأصوات، مقابل 38 في المئة لماتي. وهو ما يعطي باشليه وتحالفها اليساري تفويضاً لتنفيذ برنامج عملها الإصلاحي الذي يشمل تعديل الدستور، ورفع الضرائب، والسماح بالإجهاض، وتطبيق مجانية التعليم. وميشيل باشليه طبيبة وسياسية تشيلية، عضو في «الحزب الاشتراكي التشيلي»، وقد تولت سدة الرئاسة في بلادها بين عامي 2006 و2010، ثم فازت مجدداً بالانتخابات الرئاسية، في شوطها الثاني المنظم منتصف الشهر الجاري. وقبل ذلك انضمت باشليه إلى حكومة الرئيس الأسبق، اليساري ريكاردو لوجوس.
أما بعد مغادرتها منصب الرئاسة فترأست هيئة الأمم المتحدة للمرأة. وقد مرت باشليه بظروف صعبة خلال حياتها قبل أن تصل إلى مقعد الرئاسة. فقد ولدت في سانتياجو عام 1951 وأمضت طفولتها متنقلة في تشيلي مع والدها الذي كان ضابطاً طياراً في سلاح الجو التشيلي. وفي عام 1970 بدأت دراسة الطب في جامعة تشيلي وانضمت إلى منظمة الشباب الاشتراكي. لكن عقب انقلاب 11 سبتمبر 1973 الذي قاده الجنرال بينوشيه ضد الرئيس المنتخب سلفادور الليندي، اعتُقل والدها الذي كان قد تمت ترقيته إلى جنرال وكان مقرباً من الليندي، ثم ما لبث أن توفي في السجن بسبب سوء المعاملة. بيد أن باشليه واصلت دراستها وساعدت سراً بعض المعارضين المضطهدين في عهد بينوشيه، إلى أن تم اعتقالها مع والدتها في يناير 1975 ونقلتا إلى مركز التعذيب الشهير «فيلا غريمالدي» في سانتياجو.
وبعد إطلاق سراحها في العام التالي، فرت مع والدتها إلى أستراليا، ومنها إلى ألمانيا حيث درست الطب في جامعة هومبولت ببرلين. لكن باشليه عادت إلى تشيلي في عام 1979 لاستكمال دراستها التخصصية في طب الأطفال، ولتبدأ عملها كطبيبة في القطاع العام سنة 1986. وأخذت باشليه تنخرط تدريجياً في الكفاح الوطني من أجل استعادة الديمقراطية، خاصة من خلال مشاركتها في الجمعيات غير الحكومية لمساعدة أطفال ضحايا التعذيب والاختفاء القسري.
 وعقب الانتقال الديمقراطي عام 1990، عُينت مستشارة في وزارة الصحة التشيلية بين عامي 1994 و1997. وفي عام 1998 أصبحت مستشارة لدى وزير الدفاع. وكانت باشليه قد انضمت إلى «الحزب الاشتراكي التشيلي» بزعامة الليندي، وحافظت على عضويتها فيه خلال سنوات الحظر الذي فُرض عليه في عهد بينوشيه.
وفي عام 1995 أصبحت عضواً في اللجنة المركزية للحزب، ثم عضواً في مكتبه السياسي حتى عام 2000. وفي ذلك العام عينت وزيرةً للصحة من قبل الرئيس ريكاردو لوجوس، والذي عينها أيضاً في يناير 2002 وزيرة للدفاع لتصبح أول امرأة تشغل مثل ذلك المنصب في أميركا اللاتينية. وفي عام 2004 ارتفعت شعبيتها فجأة في استطلاعات الرأي العام، فقررت -وبتشجيع من الرئيس لوجوس- الترشح لانتخابات الرئاسة ممثلة لأربعة تشكيلات سياسية متحالفة.
وفي الشوط الأول من الانتخابات، في ديسمبر 2005، احتلت المقدمة بنيلها نسبة 45.9 في المئة من الأصوات، قبل مرشح اليمين «ساباستيان بينرا» الذي حصل على 25.4 في المئة. أما في الشوط الثاني (يناير 2006) فحسمت المنافسة بنسبة 53.5 في المئة، لتصبح أول امرأة في أميركا اللاتينية يتم انتخابها رئيسة في اقتراع مباشر وشامل. وكما وعدت خلال حملتها الانتخابية، فقد شكلت باشليه حكومةً من عشرة رجال وعشر نساء، وحاولت القيام بإصلاح العديد من المجالات، مثل نظام التقاعد الإجباري، ونظام التأمين الصحي. وباعتبار انتمائها إلى تحالف وسط اليسار الحاكم منذ عام 1990، وكونها رابع رئيس من هذا التحالف، وإن كانت أكثرهم راديكالية، فقد حافظت على السياسة الاشتراكية الحذرة لسلفها لوجوس، والتي أهلت تشيلي لتصبح معجزة أميركا اللاتينية بمعدل نمو تجاوز 5 في المئة خلال السنوات الثماني السابقة. لكنها أكدت دائماً على ضرورة جعل ثمار النمو لصالح جميع قطاعات الشعب دون استثناء.
وقد عُرفت باشليه، وهي مطلَّقة وأم لثلاثة أولاد، بشخصيتها الجذابة ومشاعرها الأمومية، حيث وحّدت البلاد وأنهت الكثير من انقساماتها. فتشيلي التي عاشت حالة استقطاب حاد بين اليسار واليمين، بدت متحدة خلف إصلاحات باشليه. كما أثبتت حضورها كرئيسة بين رؤساء أميركا اللاتينية المعروفين بالاستعراض الشعبوي، وبرهنت على أنها الأكثر نجاحاً بينهم، إذ ظلت شعبيتها في تزايد حتى خلال أوقات الأزمات. لكن الأفكار الاشتراكية والليبرالية لباشليه كثيراً ما اصطدمت بأفكار الصفوة المحافظة في تشيلي، حيث يسيطر الذكور والكنيسة، وحيث لا تزيد نسبة النساء في البرلمان عن 4 في المئة... وهو واقع لم يغيره كثيراً وجود باشليه في سدة الحكم ولا سياساتها الاجتماعية خلال ولاية كاملة من أربعة أعوام.
ورغم الشعبية التي تمتعت بها، فقد انتهت رئاستها بفقدان تحالف وسط اليسار مقاليد السلطة في انتخابات 2010، بعد 20 عاماً أمضاها في الحكم. وإن لم تكن مرشحته في تلك المرة، إلا أنها أخفقت حتى في ضمان أصوات الغالبية النسائية لصالح مرشح تحالفها! وتبدو باشليه، المدعومة بتحالف يساري واسع حصد غالبية المقاعد (67 من أصل 120) في الانتخابات البرلمانية التي جرت في نوفمبر الماضي، مدركةً تماماً لتطلعات المجتمع التشيلي وخاصة فئاته الشبابية. وهي تعِد بإحداث تغييرات كبرى تتعلق خصوصاً بمراجعة الدستور الموروث عن الحكم الديكتاتوري، وبإصلاح ضريبي يسمح بجمع 8,2 مليار دولار سيتم تخصيصها لإدخال إصلاحات واسعة في النظام التعليمي. لكن الرئيسة التشيلية الجديدة ترث اقتصاداً متعثراً، يعاني من انخفاض أسعار النحاس الذي يشكل واحداً من أهم صادرات البلاد، فضلا عن التداعيات السلبية الأخرى لتباطؤ الاقتصاد العالمي.
وإلى ذلك فسيكون على باشليه الإعداد لمواجهة مطالب اجتماعية أطلقتها الحركات الطلابية التي أعلنت التعبئة لعام 2014 من أجل المطالبة بتعليم عام مجاني ونوعي... فكل ذلك سيتطلب «إجراء تغييرات أساسية في تشيلي، حتى ولو لن يكون تحقيقها سهلا»! محمد ولد المنى
http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=76618

قراءة 746 مرات
قيم الموضوع
(0 أصوات)